منتديات بئــــــــــــــــــرالعاتر
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك في منتدى بئرالعاتر
شكرا
ادارة المنتدي

https://i.servimg.com/u/f67/13/67/73/34/tttttt12.gif
الوقت
الاحوال الجوية

widgets
الزوار
المواضيع الأخيرة
» فندق روتانا كورال بيتش 4ايام 3ليالي-اميزنج ترافيل
الجمعة مايو 09, 2014 7:32 am من طرف اسراء اميزنج

» رحلات صيف 2014 مع اميزنج ترافيل
الخميس أبريل 24, 2014 3:23 am من طرف اسراء اميزنج

» أبرز الألقاب الموجودة في دائرة بئر العاتر
الجمعة أبريل 11, 2014 11:27 pm من طرف أحمد الجزايرلي

» مدينتي
الخميس مارس 27, 2014 9:15 am من طرف الفتاة المزعجة اون باغسون

» ما هي البورصة
الخميس مارس 20, 2014 10:55 am من طرف imad

» ما هي البورصة
الخميس مارس 20, 2014 10:18 am من طرف imad

» الفساد الإداري
الأربعاء مارس 19, 2014 12:46 pm من طرف imad

» افتتاح المحطة البرية قريبا
الأربعاء مارس 12, 2014 11:23 am من طرف Bir el Ater Hicham

» Ouverture d'un nouveau autobus pour transport Bir El Ater- Batna
الأربعاء مارس 12, 2014 11:11 am من طرف Bir el Ater Hicham

تصويت

النقل من والى بئرالعاتر هل هو

27% 27% [ 11 ]
32% 32% [ 13 ]
22% 22% [ 9 ]
20% 20% [ 8 ]

مجموع عدد الأصوات : 41

تصفح الجرائد اليومية
الصلاة - الإنتهاء: 12-30-2020

مذكرات الجنرال نزار حول حروب الشرق الأوسط

اذهب الى الأسفل

مذكرات الجنرال نزار حول حروب الشرق الأوسط

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:09 pm


الحلقة الأولى

المصريون ضللونا بمناورات مفبركة وأوهمونا أن إسرائيل "شربة ميه"

بقلم اللواء المتقاعد: خالد نزار

ملامح تأسيس جيش تقليدي
كان الجيش الجزائري الذي وُلد من رحم جيش التحرير الوطني لا يزال غارقا في أسلوب حرب العصابات التي اعتمدها لمواجهة القوى الاستعمارية، ولكن الجزائر اغتنمت فرصة هذا الصراع العربي الإسرائيلي لتسجّل تضامنها مع منطقة لم تتوقف عن إعلان انتمائها إليها وارتباطها بها.
وهكذا كانت مشاركة الجيش الجزائري في الحرب العربية الإسرائيلية رغم أنه لم يزل حينها في طوره الجنيني محفزة للتساؤل عن مدى امتلاك هذا الجيش للخبرة اللازمة من أجل الانخراط في حرب تقليدية، وما إذا كانت الجزائر التي أُنهكت في صراع مسلح طويل ومرير جاهزة لمواجهة حرب شاملة.
وهذه الأسئلة المطروحة تستدعي ضرورة الإجابة عليها.
مع انتهاء الحرب، وجدت الجزائر نفسها مقفرة على جميع الأصعدة، وفي كل بُناها، حيث انهار أسلوبها التنظيمي المستنسخ عن النموذج الإقليمي الفرنسي مثل قصر رملي، ولم تصبح الزراعة التي كان يُفترض أنها مصدر قوت الجزائريين سوى زراعة تكميلية موجهة بالأساس إلى تلبية حاجيات الفرنسيين فقط، إضافة إلى سياسة الأرض المحروقة التي نفّذها نشطاء "المنظمة الجزائرية السرية"، وهذا أدى بدوره إلى تجميد اتفاقيات إيفيان، ودفع فرنسا إلى إدارة ظهرها كلية للجزائر، تاركة هذا البلد يغرق في مشاكله. وكان ذلك إحدى الطرق التي اعتمدتها فرنسا لمعاقبة شعب خاض معركة تحرره واستقلاله. وهكذا نبذت فرنسا خلفها بلدا كاملا في العراء.
لم تكن الجزائر تملك مقومات كثيرة غداة تحررها من الاستعمار البشع؛ فعدد الطلبة لم يكن يتجاوز 500 طالب يدرسون في جامعتها الوحيدة، وهي الجامعة المركزية بالعاصمة، وكان الظرف يقتضي على هذا البلد المستقل حديثا ليس مجرد إعادة بنائه من جديد فحسب، ولكن أيضا النهوض بكل المؤسسات الضرورية في تسيير دولة جديرة بهذا الاسم.
وشرعت القيادة في ذلك الزمن بالعمل من أجل رفع هذا التحدي الكبير، ولكن بسبب ضخامة الأعباء وثقلها لجأت إلى تحديد الأولويات التي لم يكن الجيش في طليعتها.
غداة الاستقلال مباشرة، غيّر "جيش التحرير الوطني" تسميته ليصبح "الجيش الوطني الشعبي"، وتم هذا التغيير دون إمداد الجيش بدماء جديدة عدا الاستنجاد بالمتعاونين الأجانب الذين قدم أغلبهم من الاتحاد السوفييتي سابقا، وكان "جيش الحدود" يشكل النواة الأساسية لتنظيم عسكري لا زال يحتفظ بقيمه ومبادئه التي قادته إلى خوض معركة صائبة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكل جيش ثوري في العالم.
غير أن نقص الإطارات المحترفة فرض حينها تعيين الضباط الحائزين على أعلى الرتب في جيش التحرير الوطني الذين خاضوا الثورة، ولم يكونوا يحظون بخبرة كبيرة مرتبطة بأداء عملهم. أما الضباط القليلون الذين تكونوا في المشرق وفرنسا فقد تمت الاستعانة بهم في مجال التكوين والإدارة، وهذا الأمر شكّل نوعا من فقدان التوازن في الهرم التنظيمي للمؤسسة العسكرية، حيث اضطرت الإطارات الشابة التي كانت تملك مقاربة وتصورا مختلفا إلى بذل مجهودات كبيرة في ظرف قصير من أجل تكوين ضباط التأطير والتأهيل الذين لا غنى عنهم في تكوين الجيوش التقليدية. وازدادت حدة هذا الخلل بوقوع انحراف كبير قُرن الجيش بموجبه مع الحزب الواحد، وهو ما جعل قادة الجيش أكثر استعدادا للمشاركة في الحياة السياسية من استعدادهم للتكوين العسكري.
لقد تميّزت هندسة المؤسسة العسكرية عبر نصوصها الأساسية بهاجس إنقاذ أو إدامة امتيازات المرحلة الراهنة، أو ضمان هيمنة توجه أيديولوجي على غيره، وهذا كله كان يتم عن طريق التسابق بين القوى الموجودة على أرض الواقع. لقد كان الجيش يُستغل في أغلب الأحيان من أجل ثقله ورمزيته، وهو ما جعل المزاوجة بين الحزب والجيش تشكل دائما شراكة تتحكم بمصير البلد. وكانت طريقة التسيير هذه تحظى بمساندة رئيس الجمهورية هواري بومدين الذي كان في الوقت ذاته وزيرا للدفاع، بعد محاولة الانقلاب المجهضة في عام 1967. وهذا المفهوم نفسه برز إلى الوجود أيضا بفعل أن أوامره كانت تأتي من الجيش الشعبي الوطني بدافع العاطفة أكثر من دافع المهنة.
لقد أدت مشاركة الجيش في الأشغال ذات المنفعة العامة إلى ابتعاده أكثر فأكثر عن وظيفته الأساسية، كما أن الأولوية التي مُنحت للاقتصاد شغلت الإطارات القليلة الذين تم تكوينهم آنذاك، علما أن الحرص على الانخراط في سلك الجيش يُعتبر ضعيفا في جميع البلدان التي خرجت من حرب كلفتها كثيراً من الأرواح، ولم يحظ الجيش بدعم بشري جديد إلى غاية عام 1971 عن طريق المدارس والجامعات المختلفة في الجزائر، حيث أتيحت الفرصة لهذا الإمداد عن طريق سن قانون الخدمة الوطنية الذي فرض على كل مواطن جزائري متخرج من المدرسة تقضية عامين متتالين إما في وحدات القتال أو في تأدية أشغال ذات منفعة عامة. غير أنه هذه الجهود لم تكن لترتقي إلى تطلعات جيش عليه أن يؤدي مهامه المقررة مثلما عليه الحال في جميع العالم.
إضافة إلى ذلك، شاركت تلك الوحدات في عدة مهام مثل تشييد القرى الزراعية والأحياء السكنية، وكذا إنجاز الطرق والسكك الحديدية والمساهمة في حملات التشجير، ونحو ذلك. وكل ذلك أدى _ بشكل أو بآخر _ إلى إبعاد الجيش الوطني الشعبي عن مهمته الحقيقية. ولقد بدأت قدراته تتحسن في السبعينيات بعد التحاق أولى دفعات الضباط المحترفين، غير أن عدد الضباط لم يكن كافيا للأسف.
كانت الفرقة المدرعة الثامنة التي ذهبت إلى مصر عام 1973 الأكثر استعداداً والأفضل تجهيزاً من جميع وحدات الجيش الوطني الشعبي في تلك الفترة، وإن كانت بعيدة عن استيفاء المواصفات اللازمة، لكن رغم ذلك بقي مستوى التدريب والهياكل والقيادة غير كاف. وابتداء من عام 1965، قُرّر إرسال أولى دفعات الضباط التابعين لهيئة الأركان إلى مدارس الاتحاد السوفيتي، وإن كانت غالبيتهم تفتقد لأدنى تكوين عسكري قاعدي.
غداة الاستقلال، تم تنظيم فيالق جيش التحرير الوطني التي تحولت إلى فيالق الجيش الوطني الشعبي في عدة مجموعات، وضمت كل مجموعة ثلاثة فيالق تمثل ما يعادل تقريباً تعداد لواء.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:34 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مذكرات الجنرال نزار حول حروب الشرق الأوسط

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:10 pm

وبعد ذلك، كانت هذه الألوية نفسها هي التي ستشارك في حرب الاستنزاف بمصر بعدما تدعمت بوحدات دعم إسناد ونقل وأصبحت تعرف باسم فرق المشاة المتحركة، رغم أنها في الأصل أسست بهدف خوض حروب لا ترتبط ارتباطا كبيرا بالحروب التقليدية.

حرب من أجل الكرامة
لقد دامت حرب الاستنزاف عدة سنوات، وجاءت رداً على القصف الإسرائيلي الذي أجهز على قسم كبير من قيادة الجيش الثاني وأدى إلى مصرع قائد الأركان المصرية عبد المنعم رياض. ولم تكن حرب الاستنزاف بالنسبة للجيش المصري مجرد حرب بقاء فحسب، وإنما خاضت مصر الحرب على امتداد خط وقف النار 1967 الذي يربط قناة السويس ببور سعيد وبور فؤاد، وجزءا من سيناء. وإذا كانت إسرائيل هي التي فرضت الحرب في بداية المطاف، فإن المصريين الذين انكبوا على إعادة تشكيل جيشهم، وجدوا في هذا الاستفزاز من قبل الإسرائيليين فرصة لتحويل عدوهم إلى هدف حربي كما ذكر ذلك الفريق سعد الدين الشاذلي، قائد أركان الجيش المصري، حيث قال: "من الناحية العسكرية، كان هدفنا هو رفع معنويات جيشنا الذي كان محبطاً جراء هزيمته النكراء عن طريق تكبيد العدو خسائر فادحة في الأرواح".
لم يكن المقصود بالعمليات الاستنزافية في الواقع إضعاف القوات الإسرائيلية المتموقعة على خط بارليف أساساً فحسب، وإنما منحت للمصريين الفرصة لاكتساب التجربة المفتقدة التي كانوا بأمسّ الحاجة إليها.
لقد ألفت كتب كثيرة حول هذا الموضوع، غير أن القليل منها فقط أشارت إلى العامل الهام والحاسم الذي ساعد على القيام بالعبور الأكثر نجاحاً في هذا النوع من المناورات، بما فيها ما تم أثناء الحرب العالمية الثانية. وبفضل هذه التجربة استطاع المصريون النيل من كبرياء الجيش الإسرائيلي بعد أن شن عليه حرب الستة أيام.
واندلعت هذه الحرب تحديدا يوم 11 مارس عام 1969، وامتدت إلى ما بعد 1969.
أطلق على هذه المرحلة من الصراع العربي الإسرائيلي اسم "حرب الاستنزاف"، وكان الرئيس جمال عبد الناصر هو الذي أطلق عليها هذه التسمية حيث قال في خطاب له: "لا أستطيع أن أجتاح سيناء، لكني أستطيع تحطيم معنويات إسرائيل بالاستنزاف".
وبدأت الحرب بقصف مدفعي ثم السلاح الجوي في حدود شهر جويلية 1969 بعدما بادرت إسرائيل إلى استعمال الطيران في هذه المواجهة. وأسند المصريون هذه العمليات بعمليات "كومندوس" في العمق بهدف جمع المعلومات.
قبل تلك الفترة كان الإسرائيليون يعيشون في سيناء حالة من اللاحرب واللاسلم معا. وكان الشباب يعتبر مدة الخدمة العسكرية المفروضة، وهي 33 شهرا، طويلة جدا، إلى درجة جعلت الجنرال موشيه ديان يعلن احتمال تقليص مدة الخدمة "طالما أنه لا يوجد أي خطر الآن يهدد البلد".
غير أنه لا قيادات الأركان التابعة للدول الغربية ولا حتى قيادة أركان الجيش الإسرائيلي ذاته تحدثوا عما جلبته هذه الحرب للمصريين من مزايا. فخلال هذه المرحلة اكتسب الضباط تجربة أكبر، وثابروا على أدائهم باستبسال نادر، ولم يُدرك الإسرائيليون الذين كانوا يردون الضربة بالضربة أن قناة السويس وجزءا من صحراء سيناء قد أصبحا بالنسبة للجيش المصري حقلاً فعلياً للتدريبات. ونصب الضباط أسلحتهم وفاجأوا كثيراً من الدول التي طالما رددت، منذ عام 1967، لمن يصغي إليها بأن الجنود المصريين فروا مثل الأرانب و"خلعوا نعالهم" لكي يركضوا بسرعة أكبر.
لقد أحاطت حرب الاستنزاف بحربي 1967 و1973، حيث محت الآثار التي تركتها حرب 1967 وساهمت في إنجاح حرب "الستة أيام" التي حققت هدفين هامين، ويتمثلان في عبور ثم هدم خط بارليف، وهو ما أعاد شيئاً من الكرامة للعرب ووضع حداً لأسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
كان المصريون يعانون من نقص فادح في المال وإلا لمنحوا لهذه الحرب المحدودة بعداً آخر دون أدنى شك رغم قدرة إسرائيل على استعمال السلاح النووي في هذا الصراع. لكن كيف يمكن للمصريين أن يفعلوا ذلك في حين أن غالبية المواطنين يفتقدون للحد الأدنى من مستوى المعيشة؟ أين يجدون المال الذي يُعتبر عصب الحرب؟ لقد كان هذا المال موجوداً بحوزة العرب وبالأخص دول الخليج، ولكن هل وُضع بين أيدي المصريين في هذه الحرب؟ إنني أشك شخصيا في ذلك، خاصة إذا علمنا كيف انتهت القمة العربية في الرباط، والتي عُقدت لتدارس الصيغ المناسبة لمساعدة دول الجبهة عسكرياً ومالياً.
كنا نعلم جميعا في تلك الأيام أن هذه القمة لم تكن في مستوى آمال وتطلعات الدول المعنية بشكل مباشر، ولاسيما فيما يتعلق بالاحتياجات الخاصة للحرب التي كنا ندرك بأن من يديرها كانوا هم الأمريكان وجزءا هاما من الدول الغربية.
كيف كان بإمكان مصر التي تفتقد للمال أن تنظم جبهتها الخلفية، خاصة وأنه مثلما هو معروف ومدروس في جميع المدارس العالمية، فإن الجبهة الخلفية تساند وتساعد الجبهة الأمامية على الاستقرار وتعزز الوضع النفسي والمعنوي لكل من الجنود والأهالي.
ولكن ما الذي يمكن أن نطالب به جنودا يجدون أنفسهم في احتكاك مباشر مع أهال أنهكهم البؤس ونراهم عندما يفاجئهم القصف المدفعي الإسرائيلي وهم منهمكون في حقولهم يهرعون في كل الاتجاهات ويصرخون : "يخرب بيتك يا جمال".
لقد كان الرئيس السادات مصيباً في قراره لما اختار طريق السلم لشعبه لأنه، في نظري، لم يكن يستطيع أن يتحمل لوحده عبء هذه الحرب. رغم أن مبادرته بزيارة إسرائيل قد كلفته حياته.
إننا سنتناول في هذه الصفحات المراحل التي قطعها هذا الجيش الذي سعى، بعدما مُني بهزيمة قاسية، إلى إعادة تشكيل ما سيمثل بعد ذلك الجيش الجديد. بل لقد نجح المصريون في تحويل جيش استعراضي إلى أداة عسكرية فاعلة وقادرة على مقارعة أعتى جيش في العالم، كما نجحوا جزئيا في رهانهم عن طريق إذلال أعدائهم بعبور مفاجئ رغم الإغلاق المُحكم "قناة السويس" بطريقة تُعتبر الأصعب في إطار الأحداث التي شهدها مسرح العمليات العسكرية الأوروبي.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:36 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الحلقة الثانية

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:11 pm

يوم 5 جوان 1967، اندلعت الحرب بين العرب والإسرائيليين. قبلها بخمسة عشر يوماً، كنت رفقة وفد عسكري جزائري في مدينة العريش، بصحراء سيناء، حيث حضرت لمناورة عسكرية كبيرة. كانت ثاني زيارة لي إلى مصر. الزيارة الأولى، كانت في إطار دعوة من الجيش المصري للبلدان الأعضاء في المنظمة العسكرية الأفريقية التي كان مقرها في أكرا عاصمة غانا. كانت أول مشاركة لنا لهذه المنظمة القارية التي انضممنا إليها فور الاستقلال. وكان عبد الرزاق بوحارة والعميد الراحل العربي سي لحسن عضوين فيها.



كنا في فجر الاستقلال نثير فضول الجميع من حولنا. ليس فقط لأن الثورة الجزائرية تخطت الحدود، لكن لأننا أيضاً كنا نرتدي البدلات القتالية، بحيث لم تكن قد سلمت لنا بدلات الخروج بعد. أتذكر أننا حينما كنا نتناول الطعام في مطعم فندق "شيبيردس" حيث كنا نقيم، كان هناك رجل يجلس ليس ببعيد عنا، يحدق فينا بشكل ملح وخفي، إلى أن جاء يوم كسر فيه العربي سي لحسن اللغز وكنا في انتظار المصعد. تبين لنا أن هذا الرجل الفضولي الذي ظل يلتهمنا بنظراته لأيام طويلة، كان فقط متشوق لرؤية جزائريين عن قرب، هو الذي سمع عنهم الكثير. كان هو عبد القادر إسكر، فرنسي من أصل جزائري، وهو مخرج سينمائي ذاع صيته بعد ذلك كثيراً، وكان سعيداً بلقاء أبناء وطنه.
رحلتي الثانية إلى مصر كانت أكثر أهمية. ذهبت، كما أسلفت القول، خلال شهر ماي 1967، قبيل اندلاع حرب الستة أيام، وذلك في إطار تكوين عسكري. بالإضافة إلى زيارة مدارس التدريب، دعونا لمشاهدة مناورة كانت تجري في سيناء، بالقرب من مدينة العريش. شارك فيها اللواء عبد الحكيم عامر، نائب الرئيس ووزير الدفاع المصري وألقى كلمة في ختام العملية بثت على الإذاعة. كان عرضاً ضخماً. أهداف الدبابات أصيبت كلها بحيث كان يتصاعد منها كل مرة نار ودخان. المستندات النارية، سواء كانت مدفعية أو جوية، كانت تتقدم كما لو أنا فوق حقول الرماية. وكانت تحركات القوات الأخرى تتم كما لو أنها في استعراض. كل ذلك كان يملأ الجمهور الحاضر اعتزازاً واطمئناناً.

ماي 1967، في صحراء سيناء
عند عودتي إلى الجزائر، رددت لمن في محيطي بأن المصريين كانوا الأقوى وأنهم، في حال نشوب نزاع، سوف ينتصرون بلا أدنى شك. كنت ناشئا في هذا المجال، وكنت مليئاً بالحماسة. وكان إيماني أن نهاية إسرائيل محتومة. وكان المصريون يرددون بقولهم "شربة مية"، من فرط ثقتهم في أنفسهم. كم كنت مخطئاً، لأني سرعان ما اكتشفت بأن المصريين اعتادوا تزييف الحقائق والمبالغة مما يعطي انطباعاً خاطئاً عن جيشهم. عرفت فيما بعد بأن ما هي في الأخير سوى مسرحية هزيلة. المصريون كانوا قد أخفوا براميل من الوقود خلف أهداف الدبابات وجميع الرميات كانت محددة ومهيأة سلفاً. وراء كل هذا السيرك كان هناك هدف واحد: كسب رضا القائد.
ورأينا تمثيلية أخرى، تتمثل في نشر وحدة مكافحة الغازات، حيث يتحرك الجنود شبه عراة تحت بالوعات من الماء الساخن. هل كان في نيتهم أن يدفعوا بالسيناريو أبعد من ذلك؟ يجب الإشارة إلى أنه كان بجانب المصريين آنذاك مدربون سوفييت لم يكن هدفهم نقل التكنولوجيا بقدر ما كان للإبقاء على نظام يسعى أولاً وقبل كل شيء لتمديد بقائه على الأرض وأيضاً لبيع تجهيزاتهم. لم يكن غريباً أن يكون السوفييت قد نقلوا مثل تلك الأساليب التمثيلية للمصريين بالقدر الذي يشتهون ويملأ لهم عيونهم.
كنت قائداً على الناحية العسكرية الثالثة، عندما عادت في ذهني ذكرى تلك الأيام أثناء مناورة للمدرعات حضرتها في منطقة بودو، في الناحية العسكرية الثانية. حضر المناورة عدد كبير من الضباط التابعين لمختلف النواحي العسكرية، ونظمت تحت الرعاية السامية وزير الدفاع آنذاك، الرئيس الشاذلي بن جديد. الجنرال السوفيتي المكلف بالمدربين جاء خصيصاً إلى الجزائر العاصمة. تعرفت عليه لأني التقيت به قبل ذلك بتندوف.
يومها في بودو، وبحضور هذا الجنرال، شهدت لإلقاء كمية هائلة من القذائف من نوع BM 21، المشهورة باسم "أراغن ستالين"، في حين كان يكفي إطلاق بضعة رميات لأن الأمر كان يتعلق بما يطلق عليه في اللغة العسكرية برميات تجريبية". وتقام لأهداف إيضاحية وتعليمية فقط، لاسيما وأن الذخائر نفيسة الثمن. كان الجنرال السوفيتي محصوراً بين الرئيس والضباط المنظمين لتلك المسخرة، غير مرتاح، وهو يختلس النظر باتجاهي. كان يعرف بأنه لن أجامله عندما تأتي لحظة تقييم التمرين. وهو في ذلك لم يخطئ. بعد انتهاء المناورة، عرضت عليه وجهة نظري وأبديت له عدم اقتناعي لهذا الأسلوب في العمل. أخذني الجنرال على انفراد وقال لي بالروسية دون أن يقنعني بكلامه: «No chto tavaritch younas Président !» (لكن يا رفيق الرئيس هنا). أصبت بالدهشة. لأنه بالأحرى صار مسموحاً أن تشوه الحقيقة، طالما أن الرئيس كان يحضر مناورة.
هل كان المصريون ضحايا سوء نية السوفييت أم أنهم كانوا متواطئين في هذه التزييفات غير النافعة وغير المجدية ؟ على أي حال، كان ذلك أحد عوامل هزائمهم المتكررة ضد الإسرائيليين. وفي يوم 6 جوان 1967، اكتشف العرب ذلك بما لا يدع مجالاً للشك. قبيل اندلاع حرب الستة أيام، علمت بأن المصريين الذين أرادوا أن يتخذوا المبادرة ويباغتوا الإسرائيليين، كانوا قد دعوا قادة أركان الدول العربية ليبلغوهم بذلك. لكن المفاجأة جاءت في الأخير من جانب الإسرائيليين الذين هاجموا الجيوش العربية على حين غرة وسمّروا طائراتهم الحربية منذ أولى ساعات الصباح.
في ذلك الحين، كنت في الجزائر العاصمة. كنت أتتبع جزء من وقائع المعركة انطلاقاً من مقر المحافظة السياسية، وكان المقر الوحيد الذي يتوفر على أجهزة الكتابة عن بعد. وكانت تصريحات المصريين الانتصارية تتوارد بشكل غير منقطع. مع ذلك قررت أن التحق بوحدتي في الجنوب الغربي في حالة ما إذا احتاجتني قيادة الأركان. في طريقي أرغمتني عطب في السيارة للتوقف في مدينة الأصنام (الشلف حالياً)، وهناك سمعت عبر الإذاعة بأن الجيش الإسرائيلي دخل مدينة العريش التي كنت قد زرتها في السابق.
فهمت بأنهم خسروا الحرب، لأن اجتياح العريش يعني أن الإسرائيليين تخطوا واقتحموا آخر صروح المصريين. في المساء وصلت إلى وحدتي. قائد أركاني، المرحوم محمد أوسليمان كان يتصنت إلى جهاز الراديو على مدار الساعة وكان يستمع أكثر للمحطات التي تنشر "الأخبار السارة". كان عارفاً بالنكسة، لكنه كان بنفس القدر يريد أن يوهم نفسه بنصر آت للعرب. محمد أوسليمان الذي عرف مدارس الشرق الأوسط، كان لحظتها منقسماً بين واقع الحرب المر وعواطفه الخاصة. مزيج من الحسرة والأمل الزائف.
في الغد ظهراً، علمنا بأن القاهرة قصفت وأن الجنود الإسرائيليين وصلوا قناة السويس. على الطاولة، كانت الإذاعة تقصفنا بالأخبار المفجعة. لم يكن لأوسليمان سوى أن يسلم بالأمر الواقع فراح يجهش بالبكاء. دخل الثورة وهو صغير السن، وكان ذلك منذ أول يوم من اندلاع ثورة نوفمبر 1954 فهذا الرجل الذي يعد من الرعيل الأول من المجاهدين، وكنت أقدره وأحترمه كثيراً، لم يكن يقوى على مقاومة دموعه أمام ما كان يعتبره مذلة لكل العرب. كان للخبر أثر الصاعقة على الجميع، إلى درجة أن هناك من مات بأزمة قلبية. كما علمنا عبر الإذاعة بأن هناك فتيات حاولن الانتحار بعد أن رمين أنفسهن من الأعالي.

القســم الثاني
استعدادات للحرب
كانت ترد إلينا أوامر تحضرنا للالتحاق بالشرق الأوسط. مجموعات حاشدة تحت قيادة النقيب عبد الرزاق بوحارة كانت تستعد للطيران إلى مصر، ولقد سبقه الرائد زرقيني وضباط آخرون أرسلوا كمستطلعين. كنا في حالة تأهب حينما أعلمنا بأن وجهتنا هي مصر. كنا آنذاك نملك ثلاث فرق مشاة متحركة، الأولى بقيادة النقيب عبد القادر عبد اللاوي، والثانية كانت تحت إمرتي، وأما الثالثة فكانت تحت قيادة النقيب محمد علاق. ولقد عيّنت فرقة رابعة، كوّنت لاحقاً ويقودها النقيب محمد علاهم، لاستخلافي في بحر شهر أكتوبر 1969.
كانت الجزائر العاصمة في تلك الفترة في حالة غليان.
تعزيزاً لمجموعة النقيب بوحارة، كانت هناك فرقة عتاد كبيرة بقيادة النقيب سليم سعدي، مدير النقل آنذاك، تبعت عبر الطريق البري. عند وصوله إلى ليبيا، تلقى النقيب سعدي أمراً بالعودة فور علم السلطات في الجزائر بنهاية الحرب. في طريق العودة، وجدوا استقبالاً آخر لدى التونسيين الذين كانوا في الذهاب قد استقبلوا القوافل بالزغاريد والأزهار والحلوى، ليس لأن الجيش الجزائري عاد من حيث أتى، وإنما لأن التونسيين مثلنا جميعاً شعروا بالذل والهوان لما علموا بأن العرب انهزموا بتلك السرعة. كانوا من شدة احتقانهم وقفوا طول الطريق مشيرين بأصابعهم المرفوعة باتجاه الشرق بحركة لم يخل من السخرية تدل أن رجالنا أخطأوا الطريق لأن مصر موجودة في الاتجاه المعاكس.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:36 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مذكرات الجنرال نزار حول حروب الشرق الأوسط

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:21 pm

في العادة، كانت وحدات الجيش الجزائري التي تتجه نحو الجبهة تشغل المواقع القديمة. ولم يكن هناك مواقع بديلة ولم يفكر في ذلك أحد. وبناء على ذلك، اتخذت قرارا بحفر خنادق أخرى حتى أجنّب رجالي عنصر المباغتة من طرف العدو. واستضافني المساعد السياسي للجيش الثاني العميد عبد المنعم خليل ذات يوم في مقهى الضباط بمنطقة "فايد"، وهي مقاطعة صغيرة تقع على وادي عامر، قرب تموقعي الدفاعي. ترجاني خليل بالجلوس أمامه واغتنم الفرصة ليقول لي: "عندما كنت مارا رأيت رجالا يحفرون خنادق جديدة للتموقع، لا جدوى من هذا لأن العدو لن يحارب من هذه الجهة على الإطلاق.. أقترح عليك أن تنسحب إلى خلف الجبهة وتهتم بتكوين رجالك". وعلى وقع الذهول الذي أصابني، كدت أقول له: "حضرة العميد..."، ولكنني عدلتُ عن رأيي. تأملت طويلا بعد ذلك في كلماته، ولكنني لم أستجب لاقتراحه وتركت رجالي يواصلون تحضير المواقع الجديدة، وكان هذا من حسن حظنا لأن الإسرائيليين استقبلوا وصولنا بقصف مدفعي مكثّف أصاب كل مواقعنا القديمة. هل كان عليّ أن أذكّر العميد خليل أن القاعدة التي تحكم أساليب المواقع البديلة عندما تكون موجودة أو تهيئتها إن لم تكن كذلك تُدرّس في كل المدارس، سواء في باريس أو موسكو أو القاهرة؟ وماذا يعني حفر خنادق للتموقع عند وصولنا إلى مواقع جديدة من أجل إنقاذ الأرواح البشرية؟

في الجبهة

كانت علاقتي بكثير من الضباط المصريين محصورة في ميدان العمل، وكنت أتفاجأ أثناء زيارتي للجبهة مرة بعد أخرى من سلوك الجيش المصري. لقد كانوا يصرخون كلما أبصرونا ـ وكنا معروفين ببدلاتنا ذات اللون الأخضر الذي يشبه الزيتون ـ : "تشربوا حاجة؟". كان هذا التصرف المهذب الذي يكشف عن كرم أصحابه ينبعث منهم آليا حتى إذا لم يكن لديهم شيء لتقديمه. وبعد فترة، عرفنا أن هذا يُعتبر من باب الترحيب واللطافة. وعلى عكس كل القال والقيل الذي سمعناه، اكتشفنا من تلقاء أنفسنا أن الجنود المصريين يتحلون بالشجاعة والانضباط، ولم يكن ينقصهم سوى الإمكانيات المادية والتجهيزات الحديثة التي يحظى بها الإسرائيليون، إضافة إلى تكوين عسكري جيّد.

كان اللواء الذي كنت أشرف عليه مُلحقا بالوحدة الثامنة عشر للمشاة المتحركين الذين كانوا تحت قيادة العميد مصطفى شاهين. وكان قائد القوات هو العقيد أبو غزالة الذي أصبح فيما بعد القائد العام لقيادة القوات في فترة حكم الرئيس السادات.

لقد كان أبو غزالة أحد أبرع المتخصصين في المدفعية وكتب حول ذلك عدة مؤلفات. وكان العميد مصطفى شاهين رغم كبر سنه رجلا حيويا ولا يُفارق جنوده، وكان يُقلّني في سيارته العسكرية لأزور وحداته العسكرية التي كانت في الجبهة، ولم تخلُ سيارته يوما من مختلف الهدايا التي كان يُكافئ بها أحسن الجنود.

وفي أثناء زيارة قمت بها إلى اللواء الذي يقع تحت إمرتي، أُعجب العميد مصطفى بطريقة التنظيم التي اعتمدتها إلى درجة جعلته يستدعي قُوّاد الوحدات ليعاينوا طريقة تنظيمنا المحكمة. وقال العميد مخاطبا أحد ضباطه الذين كانوا يدّعون أنهم يمتلكون نقاط ارتكاز مماثلة لتلك التي نملكها، وقد تضايق من دعاويه: "هيّا فرّجوني"!

كنت أرى قائد عمليات هذه الوحدة بانتظام، وهو المُقدّم جلال، حيث كان عليّ أن ألجأ إليه كلما أردت مقابلة قائد الوحدة أو المسؤول الأول على قيادة القوات. لقد كان المقدّم جلال ظريفا، وكان يستقبلني بابتسامة ويبادرني بسؤاله المعتاد كلما أجلس: "تشرب إيش يا أخ خالد؟"، وعندما يطول الانتظار ـ وهذا أمر "طبيعي" ـ لا أجد بدّا من التسح بالصبر لعلمي المسبق بردة فعله: "وراك إيه يا أخ خالد؟".

وفي يوم من الأيام أثناء مروري بالوحدة، تم تعريفي بالعميد الذي جاء لاستخلاف العقيد أبو غزالة الذي استدعي لمهام أخرى. لقد كان يُمارس التعذيب على اللغة الفرنسية بدل التحدث بها وهو يظن أنه يرفع من شأن نفسه بالحديث بها. ومنذ ذلك اليوم، كان ذلك الأمر بمثابة تعذيب موجه لشخصي، لأنه لم يكن من الممكن تجنّبه ولا تجنّب كل الاهتمام الذي ينبغي عليّ إبداؤه أمامه من أجل فهم بعض فُتات رطانته بلغة موليير. وكنت أصاب بالصداع كلما التقيته بسبب المجهودات الخارقة التي كان عليّ بذلها من أجل فهم كلامه. وكان علي الالتقاء به أكثر فأكثر منذ توليه لقيادة الوحدة الثامنة عشر. وفي يوم من الأيام، جذبني على انفراد وقال لي: "لقد التقيت وأنا أمر على مقربة من فوج المدرعات الخاص بكم بأحد جنود الدبابة، لقد كان وجهه متغضنا.. "عجوز كِده". وتعرفت على الجندي مباشرة. ثم أردف: "كلّمته بالفرنسية ولم يفهمني، ثم بالعربية فلم يفهمني كذلك".

فوجئت واستأت لما لم يتلقّ العميد أجوبة على الأسئلة التي طرحها. وكان الأمر يتعلق بالملازم لحلو الذي كان بإمكانه الحديث مع العميد بسهولة. ولما رجعت إلى اللواء، توقفت لدى فوج المدرّعات المتواجد على مقربة من الطريق، وأعلمت الضابط المساعد للوحدة بأني أريد رؤية الملازم لحلو. ولما امتثل الملازم أمامي، قمت بتأنيبه لأنه لم "يعرف" كيف يجيب على أسئلة قائد قيادة قوات الوحدة الثامنة عشر، فأجابني مباشرة: "نعم، لقد التقيت عميدا، ولكنني لم أشأ كشف شيء أمامه لأني لا أعرف من يكون. ثم إنه يُفترض أن نُعلم بزيارة عميد قبل مقدمه، وإلا لكان في مقدور كل أحد أن يدّعي أنه عميد". لقد كان الملازم لحلو داهية، وعزمته لارتشاف قهوة معي وبحثت عن طريقة أعتذر بها للعميد الغاضب.

كنا نقيم اجتماعات من فترة لأخرى مع قائد الوحدة. وفي يوم من الأيام، عندما كنا جلوسا في طاولة واحدة مع مجموع قواد اللواء وهذه الوحدة الكبيرة، تحدث قائد الوحدة، لمن أراد الإصغاء، بأن الجيش الثاني اضطر إلى تغيير قرار بناء على طلب "الأخ خالد"، قائلا: "أنا أضمن الأخ خالد لأن ثقتي فيه كاملة"، ثم ذكّرني بطلبي الذي قدمته له قبل ذلك، والمتعلق بتهيئة موقع دفاعي يمتد مباشرة إلى قناة السويس لتمكين جنودي من المشارمة حتى لا يقعوا فريسة للملل على طول وادي عامر، على بُعد 14 كم عن خطوط العدو.

أعطانا قائد الوحدة خارطة تتضمن مواقعنا الجديدة لأن الاستجابة لطلبي هذا أحدثت تغييرات كبيرة. ولأننا كنا مكدسين في ملجأ خاص بقائد الوحدة، لم نتمكن من نشر خرائطنا لمعرفة حدودنا الجديدة، وأرجأت ذلك إلى حين عودتي لمقر قيادتي، وواصلتُ تسجيل التوصيات التي وجهت لنا. لاحظت أن جيراني حول الطاولة كانوا يرمقونني بتعجب لأنني كنت أسجل ملاحظاتي باللغة الفرنسية في حين كان النقاش يدور باللغة العربية، فابتسمت وأوضحت لهم أن جيلنا لم يحظ بشرف تعلّم اللغة العربية ولكنه تمكن مع ذلك من طرد الفرنسيين خارج الجزائر.

ورجعت إلى مركز مقر قيادتنا رفقة المسؤول عن قيادة القوات رفقة النقيب رشيد عيسات وشرعنا مباشرة في العمل ونحن نرى مواقعنا الجديدة. ونشرتُ المخطط الجديد لأكتشف أن هناك خللا ما فيه.

لم أعرف الطريقة التي تمكنني من إقامة وحداتي الرئيسية لأنني لم أكن أحظ بعمق كاف، وبدا الأمر وكأن واضعي هذه الخطة القاصرة، حتى على الصعيد المبدئي، أرادوا الحفاظ على قطعة كبيرة من الأرضية لصالح الجار.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:36 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مذكرات الجنرال نزار حول حروب الشرق الأوسط

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:22 pm

ولما فرغنا من الغداء، شرعنا أن وقائدي بالعمل، فلقد كان يجب علينا تحضير مذكرة تحوي رأيا معاكسا وتشير إلى مقترحات جديدة. أكملنا العمل في ساعة متأخرة من الليل ثم توجهنا إلى مركز قيادة الوحدة لتقديم نظرتنا في المخطط والمقترحات اللازمة لتدارك الأمر. وبما أنه كان علينا أن نتحلى بالصبر، قررنا زيارة "الخبير السوفييتي" ـ مثلما يحلو للمصريين تسميته ـ لنرى تصوره حول الموضوع. وأدرك الخبير مكمن الخدعة بسرعة وقال لنا على البديهة: "توجهوا إلى قائد الوحدة فهو رجل مستقيم، وسيُنصفكم".

وفي الملجأ الذي كان يُتخذ كقاعة عمليات للوحدة، وبحضور صاحب الدسيسة العقيد جلال، طلبنا الحديث مع قائد الوحدة مباشرة. وطُلب منا الانتظائر بضعة دقائق قبل إدخالنا عنده. استقبلنا العميد مصطفى شاهين بلطف وبشاشة ثم سألنا عن سبب زيارتنا الصباحية. وقمت بتشخيص الوضع الذي لمسناه في اجتماع البارحة عليه باختصار، فألقى نظرة على مخططنا وأدرك المكيدة بسرعة، ثم صرخ بأقصى قوة: "جلال".. وأصدر أوامره: "ستكون قيادة اللواء 134 تحت يد الأخ خالد"، ثم التفت إليّ وقال: "هذه هي الحدود الجديدة، احذر من المصب فإنه جد حساس، وأنشئ مركز قيادتك ووحدات الإسناد خلفه"، ثم تمنى لنا حظا طيبا.

لم نطلب شيئا آخر انسحبنا بسرعة، ثم حيينا العميد "جلال" الذي بدا منزعجين بعض الشيء ولكننا كنا سعداء لأننا أحبطنا مخططه ومخطط زميله، قائد اللواء 134 الذي تلقيت منه مكالمة هاتفية في ساعة متأخرة من الليل، حيث سألني إذا كان بالإمكان أن يزورني في مركز قيادتي، ففهمت أن قائد الوحدة شرع في المناورة وأراد إصلاح الأضرار بسرعة بسبب قلة النزاهة التي اكتشفها.

وحانت ساعة اللقاء المتوقعة في المساء، فقررت دعوته معنا إلى العشاء، ولكن العقيد الذي رفض عرضي، ملمحا إلى أنه يريد أن تتم مراسيم تسليم المهام بأكبر سرعة ممكنة. وكان هذا ما أردته، بصراحة. وبعد انتهاء الأمر قرر الاختفاء. وفي مراسيم تسليم المهام فهمت لم كان متشبثا بمركز قيادته. لقد كان هذا المركز ممونا بالكهرباء عبر خط عالي الضغط لا يبعد كثيرا عنه، وهو ما مكنه من تشغيل جهاز تلفزيون، وكان مسؤولو قيادة القوات يقيمون في ملاجئ مهيئة ومخبأة بصفة جيدة، تحت حاجز من أشجار البرتقال، واكتشفت أياما بعد ذلك أنه على قدر ما كان قائد القوات مقيما في مكان مريح، على قدر ما كانت رفقته تعاني من الإهمال والضياع، رغم أن ما بين الموضعين صف من أشجار البرتقال فقط، ولم يكن يتطلب التأكد من ذلك سوى الانتقال خطوتين أو ثلاثا فقط. ولم تحظ أي فرقة بملجأ، حيث كان لكل واحد من مجموع 600 رجل غطاء معدني طوله متر في متر كانوا يسمونه "غطاء الرأس"، رغم أنه لم يكن في حقيقة الأمر كذلك، لأن بعض الجنود كانوا يستعملونه كما يشاؤون، في حين كان يُفترض أن يقوم الجنود بتجميع هذه القطع المعدنية لتشكيل أخدود مغطى، وعند ملاحظة الوضع كان واضحا أن أولئك الرجال لم يحظوا بعناية كافية من طرف مسؤوليهم.

أيما بعد ذلك، تم إيقاظي فجأة في وقت الفجر، حيث جاءني ضابط ليُعلمني أن هناك عطلا عاما حدث في مجموع شبكتنا السلكية، وأن كثيرا من محاولات التصليح لربط الاتصال في داخل اللواء وخارجه قد باءت بالفشل، كما أعلمني بأنه من المستحيل إجراء اتصال بالوحدة أو بالجيش، وهو ما يعني بأن اللواء كان معزولا تماما عن العالم. وأصدرت تعليمات، وأنا منهار، بفتح شبكة الراديو والبقاء على أهبة الاستعداد وعدم استعمال الجهاز إلا بأمر مستعجل. ولم يأت مسؤولو الاتصال للاهتمام بالأمر سوى في حدود الساعة العاشرة أو الحادية عشر، واكتشفوا أن الأسلاك التي تصل اللواء بلاشبكة العامة للوحدة قد تم قطعها بالسكين على بُعد كيلومتر واحد ونصف، وكان واضحا أن هذا العمل هدف إلى إلحاق الضرر بنا. ورغم أن الإصلاحات كانت تجري على قدم وساق إلا أن ذلك أخذ يوما كاملا.

وتوجه نظري أياما بعد ذلك صوب رجلين سبق وأن رأيتهما من قبل ويظهر أنهما كانا يواصلان البحث عن دلائل تؤكد خيبة أملنا، وناديتهما وأنا على وقع الغضب وقلت لهما بلا تحفظ: "ما هذا.. ألم تفهموا بعد أن عناصر من اللواء 134 هم الذين قاموا بهذا العمل؟".

غير أن اللواء 134 أعاد توجيه الأنظار صوبه عند هجوم إسرائيلي استهدف مجموع مراكز المعاينة المدفعية المتوقعة على طول قناة السويس، وخاصة المراكز المتواجدة على جبهة الجيش الثاني من وادي عامر إلى مدينة "بور فؤاد"، بل إن هذه العملية مثل غيرها بقيت في سجلات حرب الاستنزاف. لقد استهدفت هذه العملية الجريئة والخفية والمتزامنة في نفس الوقت مجموع مراكز المعاينة التابعة للجيش المصري الثاني. وكان الجنود المصريون والجزائريون المعلقين فوق الأشجار باعتبارها نقطة المعاينة الوحيدة المتاحة تحت وقع المفاجأة جراء هذه الهجمات ولم ينجوا سوى بسبب الأغطية المعدنية التي كانت بحوزتهم حيث استعملوها كوسيلة للتزحلق مثل رجال الإطفاء لدى إعلان الحريق. وكان لواؤنا يملك مركو معاينة مجاور للواء 134، وهو ما جعلني أتابع هذه العملية بواسطة الرائد في بطارية المدافع ذات قذائف 152مم التي كنا نسميها "ارجى (انتظر)" نظرا لبطئها في إمدادنا بتصحيحات القذف. وكان ضابطنا أكثر حظا وحمى رجاله، على عكس رائد بطارية المدافع في اللواء 134 الذي تعرض رجاله للقتل والإصابة، وحتى هو نفسه أصيب. وكنت أطلب من الوحدة إرسال مساعدات نحو مركز المعاينة، وأرهقت بالاتصالات الهاتفية ولكن لم يسأل أحد عن الخسائر والجرحى، بل كل ما كان يهمهم هو معرفة وضع الضباط، أما رجال الفرق فلم يكن أحد ليهتم بهم.

وبعد ساعة تقريبا، ولأنني لم أر أي وحدة إنقاذ تصل إلى عين المكان، أمرت رائد فرقة الاستطلاع الخاصة بلوائنا، وهو النقيب العربي، بأخذ سيارة ونقلهم رغم كثافة النيران. وبعد ساعتين كان الجرحى في العيادات بمأمن، حيث تم تقطيب جراحهم في انتظار أن تأتي وحداتهم لاستلامهم. وفي نهار غد، توجهت إلى العيادة لمعاينة وضع رجالي واغتنمت الفرصة لزيارة الجنود المصريين الذين كانوا على مقربة منهم. ولما علموا بوجود ضابط جاء لزيارتهم اقتربوا مني وكلهم احترام وعرفان، فصافحتهم ورأيت أن بعض ملابسهم لا تزال مضرجة بدمائهم، كما عرفت عبر ضابط المدفعية الذي كان تحت قيادتي أن أصحاب الجراحات "الخفيفة" أعيدوا إلى مراكزهم مساء الحادثة.

ولم يعرف المصريون سوى بعد هذه الحادثة، أثناء حرب الاستنزاف، أهمية الجنود ووضعهم العقلي والنفسي في المعركة.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:37 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خطأ عسكري فادح أدى إلى مقتل قائد أركان الجيش المصري وانطلاق حرب الاستنزاف

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:23 pm

ملجأ الملازم رزقي:
تم استخلافنا للملازم الأول سماعين في الجيش المصري، وقد كان ملحقا باللواء الجزائري برتبة ضابط ارتباط، حيث كان يشغل هذا المنصب مع كل الألوية السابقة. كان الملازم الأول سماعين مهندسا في أصل تكوينه، وتم الاحتفاظ به من أجل الحرب عندما كان يؤدي الخدمة العسكرية، وكان يؤدي عمله بتفان وهو ما جعله موضع احترام كبير، كما أنه كان حييّا.

كنا نعرف أن الملازم الأول سماعين يتبع لمصالح الاستعلامات، ولكننا لم نأخذ ذلك في الحسبان، لأننا كنا متواجدين من أجل خدمة إخواننا العرب ولم يكن هناك شيء لنُخفيه. بعد ذلك تم تدعيمنا بالملازم الأول الدكتور فاروق، وهو طبيب جراح، وكنا نلتقي أثناء وجبات الغداء في مطعم للضباط تم تهيئته في أحد الأكواخ وكنا نستعمله في الأيام الحارة. لم نكن نرى بعضنا كثيرا أثناء الصباح لأننا كنا نتسلم وجباتنا بسرعة، أما في المساء بعد العشاء، فقد كنا نجلس لفترة أطول معا، نشاهد التلفاز أو نلعب الورق. وفي إحدى الأمسيات التي كنا نُقضي أوقات فراغنا بلعب الورق فيها، كان الملازم الأول فاروق يُحدّق فينا دون توقف وهو مُنزوٍ، ثم قال: "يا أخ خالد.. أنا أتابعك منذ أيام ولم أر شيئا مما حكاه عنك زملائي في السويس". وتساءلتُ مستغربا في قرارة نفسي عما يمكن أن يخبره زملائي عني وهو لا يوافقهم عليه.
أسندنا في يوم من الأيام إلى الملازم الأول فاروق مهمة مرافقة تابوت إلى القاهرة لنقله صوب الجزائر، وظننا أنه قد يتدخل لصالحنا مع زملائه لتجنّب معاملة توابيت موتانا كما تُعامل أي أمتعة مُبتذلة وأمام مرأى من الجميع، وهو ما كان يحدث غالبا. ولكن للأسف لم يفعل ذلك. وبقيت السلطات المصرية تفرض علينا إلى النهاية هذه الطريقة غير المحترمة ولا اللائقة في نقل موتانا الذين لهم علينا واجب التوقير والإجلال.
استيقظتُ في أحد الأيام على وقع دوي انفجار هائل وقع على بُعد مئات الأمتار من مركز قيادتي، وكان الهدف هو معسكر تمت إقامته من طرف كتيبة الاتصالات بالفرقة في الوحدة وكتيبة الهندسة. لقد فوجئ الجنود أثناء اجتماعهم بطائرتين من طراز "سكاي هاوك" قدمتا من الشرق حيث كانت أشعة الشمس تحجب الرؤية عن الجنود الذين يشغّلون المدافع المضادة للطائرات، وقد اختار الإسرائيليون هذه اللحظة الدقيقة للهجوم وإلقاء القنابل، مما أحدث مجزرة.
وبما أن هذا كله حدث على مقربة مني، ركبتُ سيارتي وتوجهت نحو مجموعتي المكلفة بالمدافع المضادة للطائرات، وهكذا أمكنني معاينة الوضع.
لقد كان المشهد مُحزنا، حيث تم حجز جميع السيارات لنقل الموتى والجرحى، وكان هناك ضباط لا يزالون بثياب النوم كانوا يمشون فيما كان قبل دقائق فقط ساحة للتجمع. وعندما وصلت إلى مركز مضادات الطائرات تساءلتُ وأنا على وقع الذهول: "هل يُدركون خطورة التجمع أمام العدو؟". لم يظهر الملازم الأول فاروق إلا 3 أيام بعد الحادثة بسبب انشغاله بالوضع، وقص علينا بعد ذلك أنه أحصى أكثر من 70 قتيلا دون احتساب الجنود الذين نُقلوا إلى أماكن أخرى، أما الجرحى فقد بلغوا المئات.
دعاني قائد الكتيبة 36 علي أبو غزالة إلى زيارة السرية التي كانت تحت قيادة الملازم رزقي، وكان مقر قيادته يقع في إحدى الملاجئ المشيّدة بقطع معدنية كما كنا نحلم أن تكون مقارّنا مثلها. كنا قد وصلنا لتونا إلى الجبهة وكان همنا هو الحصول على معدات مناسبة لحماية رجالنا، وكان ما نطلبه نادرا.
لقد خرج المصريون من حرب خسروا فيها كل شيء، حيث كان ينقصهم كثير من الوسائل، بما فيها الأساسية، وهذا ما حدثني به العميد مصطفى شاهين. وكان كيس الرمل يُستورد حينها ويُقدّر ثمنه بحوالي 50 سنتيما بالعملة الأجنبية.
نزلنا حوالي 3 أمتار تحت الأرض وجلسنا في الملجأ المصنوع من معدن "النيكل"، وهو ملجأ لا ينقصه أي شيء، فقد كان مشكلا من أقواس معدنية صغيرة وكان سقفه مطليا بالزفت، كما لاحظت ابتسامة قائد الكتيبة في الزاوية وهو يحدّث الملازم الأول رزقي بصوت منخفض: "هيّا، قل له من أين حصلت عليها". لكن رزقي لم ينبس ببنت شفة. وحاولت تشجيعه لكي يُجيبني، فرفع رأسه ورمقني بنظرات بدت مُحرَجة، ثم قال لي:
- لقد اشتريتها من قائد بطاريات 40 مم "بوفور" بمبلغ قدره 3 جنيهات.
- وسألته بإلحاح: من هو هذا القائد؟
- ذاك الذي يُشرف على البطاريات القريبة منا، والمتواجدة بين قرية "فايد" وفريق مدفعية 100مم التابعة للجيش 2.
ذهلت لما كنت أسمعه، وقارنت في أعماق نفسي بين ضابط يدفع من جيبه لكي يوفر الحماية لرجاله، وآخر...
كان هناك خط سكة حديدية يصل قريبا من مواقعنا فأمرت الضباط باستغلاله، ولم يكن ينبغي فعل أكثر من ذلك. وعلى امتداد قرابة شهرين، كانت الأصوات تملأ الأرجاء، حيث تم فك الخطوط الحديدية ونُقلت على ظهور الرجال إلى غاية مواقعهم لإنشاء ملاجئ تصمد أمام قذائف المدفعية والقنابل الإسرائيلية.
ومنذ ذلك الحين كانت المستلزمات تُؤخذ أينما وجدت، سواء في المعسكرات المُفرغة في "الأبيض" أو "زكريا" أو في أمكنة أخرى. وكنا نقتني ما ندفع ثمنه في السوق المحلي.
لقد كانت وتيرة العمل تسري بصفة جيدة إلى درجة جعلت قائد خلية المدفعية المضادة للطيران في الجيش 2 المصري يسألني في زيارة له عندما أدخلته إلى قاعة تحت الأرض مشيدة بالحجارة كلية: "هل لديكم مهندسون لكي يفعلوا هذا؟"، فأجبته: "يمكن لأي أحد منا في الجزائر أن يبني شيئا كهذا".
كنا نعتمد أسلوب الملاجئ المهيأة تحت الأرض، وهي ملاجئ لم تكن محمية بصفة كبيرة، وكان من خواصها أنها واسعة من أجل تسهيل راحة الجنود في ملاجئ مضادة للقنابل وبخنادق مغطاة تحوي كذلك أنابيب. وكانت هناك حفر صغيرة منتثرة هنا وهناك من أجل إعطاء الفرصة لأي جندي بالاحتماء بداخل أقربها عند أول إنذار. وتطلبت هذه التحضيرات ستة أشهر طويلة من العمل، ولم أغادر المكان طيلة هذه الفترة، وكان هاجسي الوحيد هو توفير الحماية اللازمة لرجالي، وهو ما جعل بعض الأشخاص المحيطين بي يتعجبون.
وإضافة إلى أعمال الهندسة، كان من الضروري السهر على المقاييس الصحية من أجل تجنيب رجالي ملاقاة المصير الذي لقيه بعض من سبقونا في هذه المهمة وإن كان المصابون قلة، مثل مرض البلهارسيا، وهو مرض مُقعد وينتشر كثيرا في مصر، وخاصة في مناطق دلتا النيل التي كنا متواجدين بها. لقد كان هناك قنوات صرف تمر على منطقتنا وتصب في الدلتا، وهذا مكان سريان المرض بنفسه. ولمقاومة هذا المرض الخطير، بدأنا بمنع الاقتراب من قنوات الصرف "الترعة" وزودنا كل قطاع بنصف برميل يحوي 200 لتر يُجبر الجنود على غلي ملابسهم بداخله ثم تنظيفه بالماء الساخن، وقد أثمرت هذه الإجراءات لأننا أثناء عودتنا إلى الجزائر لم نسجل حالة إصابة واحدة. وكان الجنود قبل كل إجازة تُمنح لهم للتوجه إلى القاهرة يصطفون أمام عيادات الوحدات، وكانوا يُحقنون بحقنة "بنسيلين مُعطّلة" Pénicilline retard حتى لا يكونوا عرضة لأي مرض، وكان الجنود يحترمون هذه الاحتياطات الصحية رغم كونها تعسفية، كما أن ما يرونه يصب يوميا عبر


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:37 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مذكرات الجنرال نزار حول حروب الشرق الأوسط

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:24 pm

قناة "بانوراما" المصرية يدفعهم إلى الصرامة أكثر فأكثر. وكانت الصور الدعائية للحضارة الفرعونية التي كان قطاع السياحة يتبجح بها سرعان ما تترك مكانها لصور فلاحين يغتسلون أو يغسّلون أبقارهم داخل المياه المتعكرة في القناة، كما كان النساء يغسلون الملابس أو الأواني، في حين كان لأطفال يقتحمون، لا مبالين، الماء وهم عرايا.

موت الفريق الأول عبد المنعم رياض
لقد سلبت الحرب والبؤس، الذي هو نتيجة الحرب الطبيعية، الحياة من معناها، فالموت أضحى شيئا عاديا. وقد أخبرني قائد وحدة الدرك الخاصة بحاكم الصلح يوما أنه لما رأى جثة طافية في مياه قناة صرف ذهب ليُعلم الشرطة، فتلقى جوابا مخيبا أغاظه، حيث قيل له: "سيبك (لا تهتم)". ولأنني صُدمت بدوري من هذه الحادثة، أخبرتُ الرائد غازي، وهو ضابط فلسطيني كان لواؤه متواجدا قرب مواقعنا الخلفية فأجابني وهو مشدوه بتفاجئي: "ألا تعلم ذلك؟ إن هذا أمر مألوف هنا. وعندما نرى جثة فإننا نُمسكها من الشعر ونقلبها لنرى إن لم تكن لواحد من رجالنا"، وإذا كان الأمر بالعكس، فإنه شرح لي ببرودة أنهم يشقون طريقا في قناة الصرف للموتى ليلقيهم الماء بعيدا. وأصابني هذا الجواب المرعب بالقشعريرة، فالشرطة كان لديها من الوقاحة ما يجعلها تجرّم كل من يزعجها بتقديم هذه المعلومات المحزنة.
ورغم ضغط العمل، كان على الرجال أن يرتاحوا. ولهذا كنت أمنح، مثل المصريين، بعض التراخيص بمعدل 3 أيام في كل شهر ونصف لكل جندي، ضابطا كان أو ضابط صف. أما أنا، فقد أرجأت موضوع الاستراحة بسبب انشغالي بما يجب عليّ فعله. لقد كنت واعيا بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي، وقد كنت متضايقا من الوضع لأننا لم نكن لا في حالة حرب ولا في حالة سلم، وكذا هاجس حماية اللواء الذي يقع تحت يدي.
لم تصل الجرافات التي وُعدنا بها في الجزائر، فاقتصرتُ على المعدات المصرية القديمة التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية.
كنت أنام قليلا، قلقا من فكرة اندلاع الحرب في حين أن رجالي ومعداتي متواجدة تحت الملاجئ، وشعرتُ بآلام معوية حادة ولم يتم تشخيص سبب ذلك في الجبهة، وكنت أعاني في صمت. لقد مرت ستة أشهر والآلام متواصلة، فقررت استشارة طبيب فور ضبط موعد مع دكتور من طرف سفارتنا في القاهرة، فتوجهت إلى العاصمة للراحة لمدة 3 إلى 4 أيام، وقضيتُ الليلة في الشقة التي وُضعت تحت تصرفنا. وفي الصباح، رافقني ممثل عن سفارتنا إلى الطبيب، وكانت جدران قاعة الانتظار مغطاة برسومات لمشاهد طبيعية أوروبية، وقد كان الطبيب أوروبيا، ولمحت ذلك بسبب لكنته رغم أنه كان يتكلم العربية جيدا، ثم زودني بأقراص مضادة للألم وطلب مني إجراء تحاليل. وعند خروجي من عيادة الطبيب قلت لمرافقي إنني أرجّح أن يكون الطبيب من أصل ألماني.
قضيتُ الأمسية برفقة الدليل الذي كان معي، وتوجهت بعد العشاء إلى شقتي. وفي حدود الساعة الحادية عشر ليلا سمعت دق الجرس، ففتحت الباب ووجدتني وجها لوجه مع الملازم الأول أحمد بنّاي، قائد سريّة الإدارة لللواء، وكان يبدو مضطربا لأن شيئا خطيرا قد حدث. لقد وقع تبادل قصف مدفعي بين الإسرائيليين والمصريين طيلة اليوم، وشاركت في القصف مدافعنا ولم نُصب بأي خسائر، ولكنّ قائد أركان الجيش المصري لقي حتفه. وفور سماعي لهذا الخبر حزمتُ أمتعتي وتوجهت صوب الجبهة.
ولم أعرف كيف سقط قائد الأركان سوى في اليوم الموالي، فلقد كان في مهمة تفتيش كعادته بعدما عُيّن حديثا في هذا المنصب، ولم يكن يدّخر جهدا في تأدية مهامه على أكمل وجه، وكان يحظى باحترام الرجال الذين يصرخون كلما رأوا طائرة مروحية تحوم فوقهم: "هذا هو قائد الأركان". وكان المصريون الذين اكتووا بهزائم كثيرة قد عقدوا آمالهم على هذا الضابط الذي كانوا يُقدّرونه، كما أن ملك الأردن عبد الله الذي عيّنه مستشارا له أثناء حرب 1967 لم يُخف ثناءه عليه في كتابه "حربي مع إسرائيل". وفي يوم وفاته ذهب للاستطلاع أمام الإسماعيلية، وكان مرفقا بأغلبية قواد خلايا قيادة الأركان الذين قُتل وُجرح أكثرهم. لقد ذهب قائد الأركان للتعرف عن بعد على جزيرة صغيرة في بحيرة التمساح قرب الإسماعيلية، حيث كان تتواجد مجموعة من الدبابات الإسرائيلية، ورغم أن رجاله كانوا متمرسين في الحرب إلا أنهم أخطأوا بالتنقل عبر سياراتهم التي كانت مخصصة للعمداء فقط، وهو ما كان غنيمة سهلة لم يتوقعها الإسرائيليون الذين أطلقوا نيران الدبابات والمدافع وأجهزوا على قيادة أركان الجيش 2 في طرفة عين. وأخبرني المستشار السوفييتي أن العميد عبد المنعم رياض توفي على إثر نزيف لأن وحدات الإنقاذ لم تصل بسرعة.
وفي نفس اليوم، أخبرني العميد مصطفى شاهين أن ضباطا بقوا في مراكز قيادتهم في الجيش اختلط عليهم صفير قذائف المدفعية مع أصوات الطائرات المقاتلة أثناء انقضاضها إلى درجة أنهم بعد ربع ساعة من الحادثة أرسلوا إلى مكتب عبد الناصر برقية تتحدث عن هجوم جوي. وقال شاهين مستغربا: "هل تعرفون ما الذي يمكن أن تؤدي إليه غلطة فادحة مثل هذه إذا صعّد الجيش المصري الموقف"؟ وهو ما يعني بعبارة أخرى أن سلاح الجو المصري لم يكن بمقدوره الرد لأنه كان في مرحلة التهيئة.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:37 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزائريون‮ ‬ألحقوا‮ ‬بالإسرائيليين‮ ‬خسائر‮ ‬تفوق‮ ‬ما‮ ‬ألحقه‮ ‬بهم‮ ‬الإسرائيليون

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:25 pm

اللواء‮ ‬الجزائري‮ ‬يستهدف‮ ‬إسرائيليين
من كل المعارك الكثيرة التي خضناها في الجبهة، لا تزال اثنتان منها تثير انتباهي. شن الإسرائيليون يوما غارة جوية بحوالي بضعة وعشرين طائرة مقاتلة من طراز "سكايهاوك" و"فانتوم" دون احتساب عدد من طائرات الدفاع الجوي من طراز "ميراج"…

وذلك بهدف تلقين اللواء الجزائري درسا. وكان المسؤول عن الدفاع عن اللواء الجزائري هو فوج الدفاع الجوي بقيادة النقيب حسين أوسعيد الذي أهلته رباطة جأشه وخبرته ليكون جنديا مثاليا. وكان بحوزته بطاريتان بـ6 مدافع عيار 37 ملم ثنائية الفوهات وبطارية مدفع رشاش رباعي الفوهات عيار 14,5مم، وأثناء هذا الهجوم، لم تتمكن أي طائرة إسرائيلية من رمي قنابلها على أهدافها بسبب دقة التصويب الجزائري، لأن الجنود الذين كانوا ضمن جيش التحرير الوطني متمرسون في هذا النوع من المواجهة.
كانت الطائرات الإسرائيلية تلقي جميع قنابلها في الصحراء، وبعد حوالي 20 دقيقة من ذلك حاول الإسرائيليون القيام بمناورة لإلهائنا بسبب تأثرهم بفعالية رمي بطارياتنا المتواجدة في قلب الصحراء، وتم هذا باستعمال طائرات "ميراج" انطلاقا من الإسماعيلية من الخلف، وفي الوقت نفسه بمساعدة طائرتا "سكايهاوك" حلقتا على مسافة قريبة من الأرض من أجل مباغتة البطارية. ولما وجدوا أنفسهم تحت نيران البطارية الدقيقة، ألقتا حمولتهما من القنابل الحارقة التي لم تُفلح سوى في إحراق غطاء المدافع المتواجدة على بعد 100 متر. ومن الجانب الجزائري، لم يُصب سوى ثلاث أو أربع جنود نتيجة اصطدام خوذات رؤوسهم. لقد كانت طائرتا "ميراج" تطلقان قذائفهما دون إصابة الأهداف. وحسبتُ مدى تأثير هذه القذائف بالتقريب فوجدت أنها تنفجر على بعد حوالي 800 متر من أهدافها، وهو ما جعلها عديمة التأثير علينا لأننا كنا بمنأى حتى عن حطامها.
وكانت هذه النتائج ترجع إلى العمل الكبير الذي قام به جميع عناصر اللواء؛ فلقد قاموا بتهيئة الأرضية باستغلال مستلزمات هندسية رغم المنع الذي قوبلنا به في البداية، وهو ما جعل النجاح حليفنا، حيث فهم المصريون أهمية ما قمنا به وحذوا حذونا باستعمال وسائل أكبر.
وبطبيعة الحال، فإن الإسرائيليين حاولوا المبالغة في تقدير الخسائر فتحدثوا في الإذاعة أن طائراتهم خلفت أكثر من مئة قتيل في صفوف الجزائريين، وأن قائد اللواء الجزائري قُتل في هذه الغارات. وفي صبيحة اليوم الموالي، زارني الملحق العسكري الجزائري في مصر، وهو العقيد الطاهر بودربالة، وذلك لمعاينة ما حدث الليلة الماضية، وأخبرني بأن الرئيس اتصل، قلقا، على الساعة الثانية صباحا بقاصدي مرباح، مسؤول الأمن العسكري، ليعرف مزيدا من المعلومات عما حدث. وقمت بطمأنته وأخبرته بأن كل شيء على ما يُرام، لأن المعلومات المُذاعة من الجانب الإسرائيلي هي مجرد دعاية لتغطية الخسائر التي تعرضوا لها. وفي مساء الغارة، تلقى قائد فوج الدفاع الجوي كلمات تهنئة وتشجيع من كل جيرانه المسؤولين على الوحدات المصرية والفلسطينية، كما اتصل بي قائد الجيش المصري 2 هاتفيا واستهل حديثه بتهنئة رجالي ثم أعلمني أن هناك طائرة ثالثة لم أشر إليها ورآها المصريون وهي تسقط خلف البواخر الراسية في وسط "البحيرة المرة"، ثم سألني إن كانت هناك خسائر في صفوفي، فأخبرته بأنه لم يُصب أحد من رجالي، فصرخ مذهولا: "إزّايْ؟". وأُدمج فوج الدفاع الجوي ضمن فرق الدفاع الجوي على مستوى الجيش 2 وشارك في الرماية التدريبية وتحصل على الجائزة الأولى. وبهذه المناسبة قُدمت له ميدالية.
لقد حظيت مرة بفرصة زيارة إحدى هذه البطاريات وهي في قلب المعركة ولاحظت أن قواد الفصائل كانوا يستعملون المدافع بأنفسهم بدلا من الرماة، وعلى العكس من ذلك لاحظت عدم انضباطهم فيما يتعلق بالرمي في الميدان عند تحليق الطائرات الصديقة، مصرية كانت أو فلسطينية خصوصا، وهذا رغم تعليمات بمنع الرمي كانت تُصدرها القيادة. وبما أنني كنت متواجدا في منطقة تحوي عدة وحدات صغيرة تُركت لتؤدي مهامها بمفردها، سهرتُ بالخصوص على أن تُصدر التعليمات حول الرماية المضادة للطائرات لجنودي في الوقت المناسب، وذلك أنني كنت أخشى أن نقوم بإسقاط طائرات مصرية خطأ، في حين أننا قدمنا إلى مصر لمساعدتهم.
وبعد الغارة الإسرائيلية حينما كنت متواجدا في مركز قيادة فوج المدفعية وكنا في وضع "النيران المقيّدة"، وهو ما يعني منع الرماية، سمعت أصوات رمي صادرة من البطارية الثانية ذات عيار 37 ملم، وبما أنني لم أتمكن من التواصل معها هاتفيا توجهت مباشرة نحو مواقعها مخافة أن ترد علينا الطائرات خطأ. وتفاجأت عندما علمت أن قائد البطارية استهدف طائرتي "ميراج" إسرائيلية معروفة بشكلها، وكان هذا الإنجاز الآخر من أحد رجالنا يكشف غنى الخبرة التي حظي بها قدماء جيش التحرير الوطني أثناء مشاركتهم في الحرب التحريرية.
أما الذكرى الثانية، فقد حدثت عندما طلب منا المصريون بوضع بطارية مدفعية عيار 122ملم التي كانت ذات وصلة أطول بين الجيشين المصريين، حيث اعتاد الجيش الإسرائيلي على اختيار هذا الموقع لاستهداف المواقع المصرية التي لم تكن تحظى بتغطية. واستدعيت قائد المدفعية، وهو النقيب بوستة الذي كانت فرقته مدمجة ضمن فرق المدفعية وأعلمته بذلك، لكنه نصحني بعدم الاستجابة لهذا الطلب، معللا ذلك بأن "وضع بطارية دون تغطية أخرى كان من الناحية التكتيكية انتحارا"، وهو ما كان صحيحا، غير أني أجبته بأنه في كل الحالات نحن متواجدون هنا لمساعدة المصريين، وأن من واجبنا الاستجابة لطلبهم، وفكرت في أنه يمكن للبطارية استغلال عامل المفاجأة لتتجنّب من ثم ضربات العدو.
لم يكن أمام الرجال سوى وقت قصير لتحضير المواقع بطريقة عشوائية وتهيئة المدافع والرجال في حالة محاولة الجيش الإسرائيلي استهداف القوات المصرية، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة قذائف رجالنا. وبسبب هذا النقص، كنا نسمع عن بعد أصوات مركباتهم وهي تهرب في الصحراء كما رأينا عددا من أعمدة الدخان الأسود المتصاعد إلى السماء، وهو دليل على وجود مركبات محطمة. وبعد نصف ساعة هدأت الجلبة وأعطى الجيش الأمر برمي حوالي 20 عبوة لفرق المدفعية صوب هدف حدده المصريون عبر البيانات، وهو ما كان غلطة لا ينبغي الوقوع فيها، لأن بطاريتنا بعد عملية مثل هذه تحتاج إلى وقت من أجل تغيير موقعها، لكنها لا تستطيع ذلك لأنه سيتم تحديد مكانها والإجهاز عليها بسرعة. وللأسف، فقدنا رجلين وأصيب البعض في صفوفنا، كما تم تدمير أحد المدافع، ولما قطعت بطاريتنا منطقة "فايد" للعودة إلى مواقعها الأولى اصطف القرويّون على الطريق كتعبير عن التعاطف والاعتراف بما فعلناه.
أثناء مشاركته في حرب الاستنزاف الثانية بمصر، وجّه اللواء الجزائري الثاني ضربات إلى الإسرائيليين تفوق تلك التي تلقاها، حيث لم تتجاوز الخسائر التي ألحقها العدو بنا تلك التي نجمت عن حوادث مركباتنا وأسلحتنا النارية، وعندما اكتشف الإسرائيليون مركز قيادتي، صوبوا نحوه وابلا من النيران التي أطلقتها المدفعية آلية الحركة التي كانت دائمة التنقل وكان من الصعب تعطيلها بواسطة الرماية المضادة. وعموما، كنا نقوم بإعلام القيادة المصرية التي كانت ترد باستعمال سلاح الجو. وبما أنني أخذت احتياطاتي وحفرت حفرا على شكل "عنق القارورة"، وهو ما كانت تسمح به الأرضية الرملية، فإن رجالي كانوا رغم كل شيء في أمان. وفي إحدى حملات القصف الإسرائيلي، سقطت عبوة على مقربة من إحدى هذه الحفر إلى درجة أن الفجوة صارت سوداء بسبب المادة المتفجرة، وطلبتُ من فريقي الإبقاء على هذه الحفرة كما هي عليه، وفي إحدى زيارات العميد مصطفى شاهين، قصصتُ عليه القصة وأخذته إلى عين المكان، فسألني: "وما الذي حدث للجندي الذي كان متواجدا داخل الحفرة؟"، فأجبته: "إنه متواجد معنا"، ثم قدمته له. وأوضحت للعميد أن الجندي تعرض لصدمة بسبب انفجار العبوة، وأننا جعلناه يُفيق برشه بالماء فقط، ثم شرحت له ماهية هذه الحفر التي ورثناها من العهد الاستعماري وأن الفرنسيين أنفسهم نقلوها عن الفيتناميين، ثم قلت له "إن أرضيتكم تساعد على هذا". لم يكن من المطلوب سوى حفر حفرة في الأرض على شكل عنق قارورة، تضيق في البداية ثم تتسع في الداخل، وتكون الحفرة بطول الرجل بحيث تمكّنه من الانزلاق فيها، وكانت هذه الحفر تحافظ على سلامة الجنود ضد كل أنواع القصف، وخاصة القصف الجوي، كما تمكن الجنود من الرمي مع البقاء في مكان آمن، وأعجب العميد مصطفى شاهين بطريقة الحماية هذه إلى درجة أنه سلمني أياما بعد ذلك كراسة تحوي شروحات ومخططات للتموضع الذي أطلقوا عليه "النموذج الجزائري للتموضع الفردي في الرمي". لقد قام الجيش المصري رسميا بتبني هذه التقنية.


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:38 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

جبل "شبروايت" أو وقاحة الإسرائيليين

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:26 pm

كان "جبل شبراويت" تقريبا هو المرتفع الوحيد في المنطقة، حيث كان عبارة عن ثلاث نجوات يتراوح طول كل واحدة منها ما بين 200 إلى 300 متر وتشرف على "البحيرة المرة"، وكان بعيدا عن خطوط العدو بأكثر من 10 كيلومترات. وتمركزت على أعلى نقطة فيه وحدة دفاع مضادة للطائرات مجهزة بمدافع عيار 20 ملم.
وفي ذروة حرب الاستنزاف، كانت الطائرات الإسرائيلية تشارك في العمليات غالبا في حين أن المصريين لم يكونوا يستعملون سوى طائراتهم المقاتلة في حالات الضرورة القصوى كقصف مواقع على خط "بارليف" أو القيام بضربات في العمق الإسرائيلي، لأن سلاح الطيران كان في طور التهيئة. وفي حالات نادرة، حاول المصريون القيام باختراقات في العمق الإسرائيلي باستعمال حوالي 60 طائرة، وكان كثير من هذه العمليات تحت إشراف السوفييتيين. وكان جبل "شبراويت" الواقع بين الجيشين وفي منطقة الربط بينهما بالضبط يسمح بمعاينة ما يقع فيه من الجميع.
واختار الإسرائيليون هذا الموقع للقيام ببعض الاستفزاز، حيث كانوا يظهرون يوميا في نفس الساعة السادسة عشر بالضبط ويهاجمون بواسطة طائرات مقنبلة ترفع مقدمتها إلى السماء، وعندما كانوا يصلون على حدود ما تصل إليه القذائف المصرية، كان الطيارون الإسرائيليون يقلبون طائراتهم ليتواجدوا في الجهة المعاكسة للهدف ثم يلقون قنابلهم وسط عجز الطائرات المصرية عن الرد لأن الإسرائيليين كانوا يملكون غطاء جويا قويا، وهو ما كان فرصة إسرائيلية سانحة للقيام بضربات قوية.
وكان هذا الفعل يتكرر يوميا بما يُشبه الطقوس تقريبا. لقد كانت مجموعة من طائرات "سكايهاوك" تظهر في السماء مفرغة شحنتها من القنابل لتعود أدراجها وترجع مرة ثانية وتفعل نفس ما فعلته في المرة الأولى، وأحسسنا بأن الهدف لم يكن تدمير أهداف محددة وإنما استعراض القوة الجوية وتحطيم معنويات الجيوش العربية. ودام هذا الفعل قرابة الشهر. وبما أن هذه الهجمات كانت استعراضية، فقد حدث وأن اخترنا بعض المرتفعات القريبة لمشاهدة فوج الطائرات.
‭ ‬


عدل سابقا من قبل العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:38 pm عدل 1 مرات

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العرب خسروا في يوم واحد 417 طائرة عسكرية

مُساهمة من طرف العاتري في الأحد يونيو 21, 2009 7:27 pm

حرب 1973: عبور القناة
أثناء تواجدي بالمدرسة الحربية بباريس، حظيت بفرصة دراسة حرب "الغفران" انطلاقا من المعطيات المصرية والإسرائيلية. لم يكن عبور قناة السويس سوى علمية محدودة هدفت إلى معالجة التأزم السياسي بين مصر وإسرائيل. وأثبت العبور قدرة المصريين على التنفيذ المحكم لما تم التخطيط له مسبقا، كما أنها أثبتت من جهة أخرى ضعف قيادات الأركان والقيادات في توجيه العمليات الطارئة.

عندما قام فيرديناند دي ليسبيس بحفر قناة السويس التي تم تدشينها في عام 1869، وجد المصريون أمامهم لسوء حظهم، قرنا بعد ذلك، عائقا كبيرا شكلته الأتربة التي استخرجت بالحفر ووضعت على الجانب الشرقي للقناة. هذا العائق الذي سهل على الإسرائيليين وضع نقاط ارتكازهم على "خط بارليف" لم يكن من السهل على المصريين تجاوزه إلا بفضل عبقرية قائد الهندسة المصري الذي صمم مدفع ماء ـ كانت مياه القناة هي المصدر ـ تُمكن قوة رشه من خلق ثغرات يمر منها الجيش المصري. وأعتقد منذ تلك الفترة أن الضباط المصريين استخلصوا الدروس ليصبحوا اليوم البلد العربي الوحيد الذي يحظى بهذا النوع من الخبرة.
لقد تمكن الإسرائيليون من إنجاز استغلال عبور المصبّ للأسباب التالية: فالجيش الإسرائيلي استغل الوصلة بين الجيشين المصريين على ارتفاع النقطة التي تصب فيها مياه القناة في البحيرة المرة. وبما أن الوصلة تعتبر في كل الحروب مكانا هشا من الصعب الدفاع عنه، فإن التخطيط تم منذ فترة طويلة قبل العبور، وكانت التجهيزات والوسائل اللازمة موجودة حينها في سيناء.
وكانت فكرة المناورة الإسرائيلية تهدف إلى خلق توازن على الجبهة المصرية ودعم الجبهة السورية بأكبر قدر من القوات، لأنها كانت تشكل خطرا أكبر بالنظر إلى قربها الجغرافي. كانت المهمة تقضي بإيقاف السوريين بل وجعلهم يتراجعون عن طريق احتلال الجولان وتقدم الجيش إلى منطقة قريبة من دمشق. ولمّا تمكنوا من إحداث توازن على الجبهة السورية بأقل قدر من القوات، صار من السهل مواجهة الجبهة المصرية وجعلها محور ارتكاز رئيسي. وأثبت الجيش الإسرائيلي في هذه العملية مقدرة قيادات أركانه على الاستفادة من القوات والوسائل بأحسن طريقة.
وعلى الجبهة المصرية حدثت معركة كبيرة شاركت فيها مدرعات الجيشين الثاني والثالث في مواجهة الجيش الإسرائيلي. وتمكن المصريون من استرجاع الوصلة بين الجيشين، وهي نقطة الاستهداف الإسرائيلي، وتمكنت خمس ألوية مدرعة متحركة ومظلية من التقدم، محدثة الثغرة الشهيرة في المصب.
ومع نجاح التقدم، كان من السهل على الإسرائيليين إقحام الجيش الاحتياطي ومهاجمة الجيشين من الخلف بما فيها الجيش الثالث الذي كان متواجدا وراء القناة، وذلك عن طريق وحدات وصلت إلى الإسماعيلية شمالا والكيلومتر 101 جنوبا، والمتواجد في الطريق التي تربط مدينة السويس بالقاهرة.
إذا كان الإسرائيليون قد ربحوا الحرب، فإن ذلك يرجع إلى امتلاكهم لقيادات أركان تحضّر العمليات وتقودها حسب المتغيرات القتالية، وكذا بسبب تفوقهم التقني الساحق، إضافة إلى حجم وطبيعة قواتهم التي تفوق القوات المصرية.
وكانت القوات التي شاركت في المعارك كالتالي:
ــ شارك الإسرائيليون بـ37 لواء مدرعا متحركا يملك كل لواء فيها إمكانيات أكبر بكثير من الفرقة المصرية.
ــ كان الطيران الإسرائيلي الذي لعب دورا حاسما ورئيسيا في الانتصارات المتعاقبة متفوقا بشدة سواء من حيث نوع الأجهزة المستعملة أو من حيث المدة الزمنية اللازمة لاستغلالها من طرف الطاقم في الأرض؛ فتجهيز الطائرات لم يكن يتجاوز لكل طائرة 10 إلى 15 دقيقة، في حين أن نفس العملية كانت تستغرق 4 أضعاف ما تستغرقه عند الإسرائيليين، وهو ما أدى إلى أن توازي الطائرة الإسرائيلية 4 طائرات مصرية.
ــ كما أن القدرة على تكوين الطواقم وكذا نوعية التجهيزات المنقولة أكبر بكثير.
ــ مجموع الوحدات القتالية الإسرائيلية كانت مدرعة ومُجنزرة، ولم تستعمل المركبات ذات العجلات العادية سوى في الدعم اللوجستي فقط.
ــ كان للمصريين 3 جيوش لم تكن في حقيقة الأمر سوى فيالق، استعملت اثنان منها وكذا ضباط الاحتياط في المعارك، وبقي الثالث الذي لم يكن مجهزا كما ينبغي للدفاع عن العاصمة.
ــ كانت القوات المصرية الفاعلة متكونة من فرقتين مدرعتين لإسناد مختلف قطاعات الجيش، وكذا فرقة آلية مزودة بمركبات مدرعة من طراز "بي أم بي1" السوفييتية.
ــ كتيبة مدرعة للإسناد على مستوى كل لواء، ولواء مدرع لكل فرقة.
وهو ما يجعل مجموع القوات المشاركة في الحرب، تقريبا، كما يلي:
ـ 3 فرق مدرعة.
ـ فرقة آلية.
ـ 6 ألوية مدرعة.
- 18 كتيبة دبابات.
ـ مدفعية كبيرة من حيث الحجم لكنها لم تكن كافية من حيث الفعّالية.
أما بقية الوحدات المتكونة من المشاة والمظليين والقوات الخاصة، فكانت تستعمل في الغالب المركبات ذات العجلات العادية.
وفيما يخص التجهيزات:
ــ كانت الدبابات الإسرائيلية مجهزة بالليزر وبعضها كان يحوي صندوق رماية آلي وكذا نظاما واقيا من الصدمات للحفاظ على الطاقم.
ــ وكانت الذخيرة ذات المسار الموجه تملك قوة خرق كبيرة.
كانت المعطيات التقنية والتكتيكية للدبابات المصرية (طراز ت 54، ت 55 وت 62) مُتجاوزة، ونفس الأمر بالنسبة لذخيرتها. واعتبرت دبابة ت62 ذات رمي القتالي لا يتجاوز 1800 متر في تلك الفترة أفضل دبابة بالنسبة للمصريين، في حين اكنت الدبابات الإسرائيلية تحظى بمدى رماية يصل إلى 4000 متر، وكانت أحيانا تستهدف دبابات مصرية فتحطمها دون أن تتمكن هذه الأخيرة من معاينتها.
غير أن هذا التفوق العسكري لم يمنع المصريين من عبور القناة ومباغتة العدو، رغم "خط بارليف"، وكان هذا في حد ذاته إنجازا. وجعلت القوة الإسرائيلية المصريين يواجهون الحديد والنار، دون إغفال أن الإسرائيليين يحظون بحليف مؤكَّد (الأمريكيون) كان يشكل قاعدة دعم حقيقية.
خسائر الطيران العربي في اليوم الأول (5 جوان 1967)
الطائرات المدمرة في الأرض:
المقاتلات:
122ميغ 21، 86 ميغ 17، 21 هانتر، 17 ميغ 15، 12 ميغ 19، 12 سوخوي 7، 2 فامبير.
المقنبلات:
30 توبوليف 16، 29 إليوشين 28.
طائرات النقل:
21 إليوشين 14، 9 أنطونوف 12، 4 دوف، 1 هركول سي47.
الطائرات المروحية:
19 مي 2، مي 4 ومي 6.
وهو ما مجموعه 385 طائرة، إضافة إلى 32 أخرى أسقطت في الجو، وبلغ المجموع العام 417 طائرة.
الخسائر الإسرائيلية:
9 ميراج 3، 9 ميستار 4، 8 أوراغون، 6 أس أم بي2، 5 فوتور، 5 فوغا ماجيستر، بما مجموعه: 42 جهازا.

العاتري

عدد المساهمات : 78
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 15/03/2009
العمر : 29

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى